يا لهذا السكون المحتّم، والوحدة التي ليس وراءها سوى دروس وأصوات ومواطنُ تعليمٍ تُمضيها على نفسك وتبقى معك..

يا لهذا الهدوء الحكيم العظيم الذي يجبرك على السكوت وقت الثرثرة..

يا لتلك الملامح الطفلة التي لا تعكسُ سوى روحكَ وتصوّراتك عن الحياة حتى ولو مضى بك الزمن..

يا لذلك الخيّال الذي يسافرُ بك حتى أبعد بوّاباتِ الدهشة ويطيرُ في سماوات آفاقك ويُنسيك ويسكرك..

يا لتلك العوالم التي تعيش بها، والغرف التي لا تنتهي في خياراتك ويا لحظوتها بإنتقاءك !

يا لتلك الأبواب التي تركتها، وتلك الأبواب التي فُتحت عليك من بعدها فكانت، وكُنت..

يا للفصول التي عَبرت على قصّتك، يا لليالي التي هدهدتك والولادات التي في خضمّ شِدّتها اعتصرتك حتى تكون على التجربةِ وليداً جديدا..

يا لرقّةِ إلتفاتتك للماضي حينما تستحضره، تراه ولا تغوصُ فيه، عالماً من كلّ منطقٍ ما شكّلك، عارفاً بكلّ فخرٍ من تكون، حاملاً همّك منطويٍ عن هموم غيرك، جاعلاً للناس من نفسك منافذَ من زجاج، ولكنّ شرفتك المفتوحةُ الوحيدة من روحك تكون لله..

يا لوسامةِ قراراتك التي تُفضي للمزيد من التعب، والمزيد من الرضى في آن!

يا للطافةِ أخطائك التي توجّهك للصعود ولا تربكك..

يا لجمال منفاك وهو يصارعك وتطرحه، ويعاقبك وتدفعه، ويهينيك فترفعه، ويؤويك فلا تخضع.. 

يا روعة البداوة في صفاء حقيقتها.. يا نفوسنا الأبيّة في وجه العُدوان.. يا صحارينا المُقفرةُ أمام اخضرار العالم، يا أبيضنا من الأيام يا سعة تكويننا يا عَدمنا ويا ماضينا ويا أرزاقنا ويا أجدادنا ويا مواويلنا وأغانينا..

إليكِ يا تلك الروح الجميلة أقولُ كلّ يومٍ بين الذكرى وبين النسيان وبين بناء الاعتقادِ والهروب من الأحزانِ وعلقم الذاكرة..

الجمال لا يكون أمراً نتعلمه، ولا درساً نتلقاه..

الجمال أمرٌ نجالسه في ذواتنا حتى نحسّه فينا ونصغي ونتتبع حتى نراه ونكونه ونحددّ دربه ونعيشه، وحتى نلمس الجمال، فلا بد أن نؤمن بالعزلة، ذلك القدرُ من السكون بوحدتنا ما يوجّه بعد الله لنا الطريق والدرب، ما يعلمنا ذلك الذي نحتاجه ونبتغيه حتى ولو كان على خِلاف العالم والدنيا، تلك الجوهرةُ الحيّةُ من قبس الحياة، من غلاوة المشهدِ وروعة الروح.. لوعةٌ هي الأيام حتى تُبدي لك تفصيلاً صغيراً حميماً تحسّ معهُ بالدهشه وتحفظهُ لحياة، كإنعكاسِ حُلم النهرِ بين الرمال، كواحةٍ في عينيّ بدويٍ عطشان، كفرحةٍ في السلام مع قافلةِ الحبيبةِ بعد حرب.. ككلّ الأشياء التي تشبهك.. لا قصيدةَ تكتبُ كما قصيدةٍ أخرى حتى ولو أخرجت بالاجتهادِ جميع قصائدك، هي معك لا تكون كما سواك، في لحظةِ تكوينٍ تقتربُ للجمال، لكلّ ما أعرفهُ وآئلفهُ منك، تقرّبني إليك ولو بالذكرى، وتُبعدني عنك ألف ميلٍ آخر.

دعوةٌ مفتوحة، على حجم الأمل..

أدعوك يا صديقي؛

أن نسترق من الحياة حلاوة أيامها، ونسرق لنفوسنا النظر ونستغرق في العُمق..

أن نبني من الكلمات ما يكون مساحتنا مع الآخرين ونوسّعها حدّ أن تملأ بالفضاء مدانا..

أدعوكَ ونفسي لجلساتٍ مطوّلةٍ مع الكلام، وبين الكلمات .. أن نتناول المعنى كمن يبحثُ عن طمأنينته وسط خوف..

أدعوك يا صديقي أن نخفف على ذواتنا وطأة الجزع ونستخرج من أعماقنا آفاق الرضى، فالحياة متاهات، وحياة راضية لا تشبه حياةً خاليةً من الرضى..

أدعوكَ يا صديقي أن نُصاحب الحب بكلّ ما يحمل في قلوبنا .. أن تهتزّ أصواتنا حين ننثُر حقيقته وننطلق منه، أن نقول جميع ما في صدورنا من خبأ، فاللغةُ كشفٌ ومكاشفة..

أدعوكَ يا صديقي أن نستحمل أيامنا على بطئ، ونتوائم مع سكونها آملين آمنين بفضل الكريم الواسع..

أدعوكَ يا صديقي معي لحياةٍ مُمتدة، لا يسوؤها الخلوّ ولا ترهقها العزلة ولا تَضمرُ دهشتها مع مرور الأيام، بل كُلما امتدّ بها المدى صارت بدواخلها أعرف وبألغازها أغزر وبفضولها تجاه معناها والأمور، أضوأ..

أدعوكَ يا صديقي لرحمة الإيمانِ حينما نعترف أننا ضعفاء بالنّقص والله وحده سيّد الكمالِ في هذا الكون، حياةً لا نضخّمُ فيها حجم البشر ويبقى في صدورنا خالقها أكبر من كلّ شيءٍ وأمر.. حياةً تشبهُ في جمالها حضور الله على هذا الكون ومدلولات جمالهِ وتفصيلهِ.. أن نعيش ببُعدٍ سماويٍّ خالص، فلا يضرّنا ما كان في الأرضِ ولا يمسّنا كلامٌ لم يُنزّل ونظلّ نسعى ونسعى عارفين أن من في السماءِ يُبصرُ ويرى..

أدعوكَ يا صديقي لحياةٍ مليئةٍ بالنور والطفولة والصباحات العامرة والشجر، فيها من الاستشفاءِ بقدرِ مافيها من البشر ومن الحب بقدرِ ما فيها من الأمل ومن السعادةِ بقدرِ ماتحملُ من الأحزان ولكنّ جودتها بأنها تعيشُ في الشعورِ كلّه فيمتلئُ منها القلب حبوراً وحضوراً.. لستُ أدعوكَ لغفلةٍ أو تمثيل، وإنما حياةٌ كاملة، بحجم الشعور والنور والرحمة والخيال والدهشة والإيمان والحضور والمعنى، بتفصيل إنسانيتنا وما نكون تماماً..

وحتى تُقبل يا صديقي العزيز على مداي، وترجع بعد سفر.. آملُ أن تكون دعوتي على مقاسِ قلبك واستجابتك.. 

وأرجوا أن تبقى بخير وعلى خير. 

وداعة الشيوخ حال يضحكون، وحال يشاهدون أشياء جديدة، يعرفها زماننا ولا يألفها زمانهم .. حال يُدهَشون فيفقدون من كان بوسعه أن يلازمهم في هذه الدهشة بالتحديد ومن كان سيصلُح لها..

وداعة العجائز حال الصلاة، تمرّدهنّ على الإمام السريع في السجدات.. يطلن السجود حتى أن تتمّ دعوتها ولو خالفت الإمام..

وداعة البحر الرقيق في شطئانه، العميق في جوفه .. وداعة الأمواج التي تأتيك كأنها جديدة، ليس كأنها قد سافرت آلاف الأميال حتى تصل إلى أطراف أصابعك قبل أن تعود..

وأنا أيضاً أريد أن لايكون وجودي مُكلفاً مهما حاولت أن أصل .. وأبتغي أن يكون وصولي كما الموج، أن يبدوا تلقائياً يصبّ في مصلحة المرفأ ولا يضرّني.. أريده وصولاً تلقائياً جليلاً خفيفاً حتى ولو طالت رحلتي في البحر وتنوّعت عليّ أشكال الطقوس فيها.. أبتغي أن تكون نفسي خفيفة، أن أعمل ما أعمله من دون أن أؤذي أحدا.. أريد لسفري أن يكون خفيفاً، وروحي أن تبقى خفيفةً هي الأخرى وعملي ولساني، أريدهما أن يبقيا ناضجين، ثقيلين كما يجبُ للثقل أن يكون..

وداعةُ النخيل في المطر.. 

طقسٌ من التجدد ، يرطّبها وهي حافيةٌ لا تألف الماء، مايجعلها تأوي إلى الماء في صعوباتها وتخبّئه وتتزوّد منه..

وأنا أيضاً أريد أن أكون كما النخلة.. أن أستطيع اعتياد الشمس والجفاف كما أعتاد الحب والمطر، وحينما لا يُمطرني وجود الأحباب بالسيلِ الهادرِ من الحبّ في قلبي أريد أن أتعلّم كيف أستدفئ بالشمس وأنضجُ ثماري ولا تحرقني، أن أتقن لعبتي مع فنود الحياة وإن تبدّلت أحوالها.. أن يكون الثبات في استقامتي موضعاً وليس حكايةً عابرة..

وادعةُ المدينةِ في آخر الليل، وأوّل الصباح..

وأنا أريد لذلك السكون أن يحلّ دائماً في نفسي، واحدٌ يثير أشجاني وآخرٌ يجددني، صمتٌ يكون كما طبيب أنفاسي، سكونٌ له طعم هواءٍ مختلف، ومددُ ضياءٍ مختلف، وألوان شعورٍ باردة، تأتي كما هدوء الفجر الأوّل ، جميلةً وغير مبررة .. أريد لسمائي أن تعرف كيف يكون السكون رغم كلّ حالٍ قابلٌ للحصول، أتخيّل، في كلّ معضلةٍ وانزعاج، شكل السماء في بتولها الأخير أو في سموّها الأول، فأطيرُ من عمق الخوفِ إلى مواطن السكون وأذكّر أن كلّ شيءٍ ماضٍ، وعلى كلّ ذلك الارتجاج أن يهدأ في نهاية الأمر..

وداعة كوب قهوةٍ يتقطّر، وداعة بقبقةِ الماء المتبقّي على السقوف وهو ينزل على الأروقةِ بعد ليلةٍ ممُطرة، وداعة الجوريّة الغبية حينما تزهرُ على شجرتي التي انتظرتها لمنتصف العام، ثم تذوي في يومين من شمسنا الحارقة، وداعة الرضيع الذي تتألم بواطنه ولا يعلمُ كيف يخبرُ عنها سوى بالإيماء كما القطط، وداعة شجر الحيّ، وداعةُ بيتٍ قديم، وداعة الدواليب المُهملة، وداعة الثمار الساقطةِ على الأرض حين حان وقت قطفها ولم يحملها أحد.. وداعتي وأنا أحاول سِراً أن أجد موضوعاً للكتابة، لأن الكلمات تتطاير، وأنا عبثاً أحاول جمعها وردّها من جديد لبوابةِ الأدب….

عائدين إلى ذواتنا من عُمق النسيانِ واللهو، 

نحاول معها فنَرى في التقرير ما يقول؛ 

أحياناً تكون الحياة لحظة، خصوصاً من مستقبلها.

أحيان تكون فكرة نقاومها، خصوصاً من كئابتها.

أحياناً تجتمع لك محاسنها فتكون بيت قصيدة، 

أحياناً تبقى كما حُلم،

وأحياناً تصفعنا بالواقع

أحياناً تتجوهرُ في أعيننا كلّ ملذاتها، 

وأحياناً تزولُ متعتها كتُراب..

قيل أن العربيّ يكرهُ الإقتناء وكثرة الجَمع ويحبّ المدى، يؤمن أن في الخلوّ صفاء، يُشبه في نفسهِ وفي تخلّيه رمال الصحراء الجديدة، رمال الصحراء النقيّة وكأنما هي في حركتها ورجوعها لأوّل خلقها في كلّ مرة،  تضللُ في بواطنها السرّ.. 

العربيّ خفيف .. يهنأ في تأمّلهِ الفضاء الفسيح، يأتي على الدُنيا بعمل، بارتباطٍ سماويّ، ثمّ يحبّ لو أنه ودّعَ ولو لم يترُك.. ماضيهِ فناء ومستقبلهُ سَعه.. يتروّى ولايطمع بالريّ، شحيحٌ على نفسهِ بقدرِ شُحّ صحراءه عليه، ناظرٌ للعلوّ كمرحلة، طامعٌ بالعاديّةِ كمساحة، عارفٌ بأن أقصى ما يكونه أن يكون نفسه، غير آبهٍ بما سيكون..

هذه الأرضُ انعكاسنا.. مرآتنا، ترابنا الذي منه نستمدّ أولوياتنا عليها، وهمومنا فيها، وعودتنا إليها.. كيف نبدوا بالنسبة لها يا ترى؟ سائرين؟ أبناء؟ أطفالاً متكبّرين لم يتعلموا بعد أن رجوعهم إلى جوفها؟.. هل نبدوا لها مزعجين، خرّبوها.. أم طيّبين مشوا عليها، وكم مشى من قبلهم من أمم..؟ وهل تحبنا كما نعشق أجزاءً منها ونشعُرُ أننا متغرّبين على كثيرها ؟ لا أعلم..

العودةُ إلى الذات من عُمق النسيان تقول:

الحياةُ مرحلةٌ للروح، الحياة مدرسةٌ للنفس، الحياةُ اختبارٌ للإيمان، الحياةُ ساحةٌ من الجوائز للمتأمّلين.

بالأمس كنت أستمع للدكتور طلال الخِضر حول دراسة العربيّ للدراسات الإسلامية في الغرب، وقد استخدم مُصطلحين أساسيين كُنت أعدّ نفسي أعرف فكرتهما التي انطبعت في نفسي من خلال التجربة، ولكنه حين ذكرهما أكّد عليّ وجودهما، قال على الدارسِ أن يمتلك أدوات نقدية يستطيع من خلالها أن يخاطب الغرب بما تعكسهُ ثقافتهُ على نفسه ومجتمعه ويعرف كيف يقرأ نتاجهم من زاويتهِ لا زاويتهم، إن غايتنا في العلم “التعرّف” كمصطلحٍ قرآني بينما كانت غايتهم في العلم عنا السيطرةُ والاستعمار.. 

ثم قال على الباحث أن يمتلك في نفسه ثقة حضارية بما يستطيع تقديمه وما يثق به.. عليه أن يعي أن الآخر ليس أفضل منه وإن تقدّم فالأفضليّة الحالية لا تلغي جودة الحضارة المتروكه .. لذلك فحينما تمضي إلى هناك كُن واثقاً من جمال حضارةٍ أنجبتك وكُن عالماً بمكانك الفسيح بين الأُمم..

لا أعلم متى صار لي رؤيتان للعالم، إحداهما من هويتي وأُخرى من زاوية الغربيّ الذي أثّرت عليَ ثقافتهُ منذ مراهقتي.. كلّ ما أعرفهُ أنني صرت الآن أستطيع الرؤية من جانبين ونقد الجانبين أيضاً متى احتجت .. ولكن مصطلح التعرّف أثارني حقاً، نحن مع الآخرين أدوات تعارف، لا نريد أن نقيس ذواتنا بأحجامهم ولسنا نريد أن نرى أنفسنا من خلالهم أو نقارننا بهم.. نستطيع أن نتعرّف ونتجاور ونبني الجسور ولا نلغي بعضنا.. ليس حياداً ولكن بالتصالح أمام الإختلاف الذي سيكون دائماً قائماً.. فهل سيكون..؟

أن نكون بالمسافة، بعيدين عن كلّ الذين يحبوننا.. متقاربين بالنفس والروح والأخبار والعاطفة.. وافرين  بالعطاء لأن شحنتنا مع ذواتنا تكون مليئة، وغرفتنا من الحب الداخليّ مغمورةً باللطف، لم يكن بيننا -في كل الذي نواجهه ونراه- من يمتصّ منا طاقاتنا بالمحبة، ورغبتنا في أن نكون أرقّ وأصلح وأفضل، لذلك كنا دوماً قادرين على أن نكون لأحبابنا الأبعد؛ رسائل محبة..

البُعد كان نقمة طفولتنا، اختبار حياتنا وحيدين، شحّ صداقاتنا لأننا لم نعرف يوماً كيف نبقى بين الآخرين،

ولكن البُعد صار نعمةُ نضوجنا، والبُعد تشكّل فصار رقّة عزلتنا ونديم ليالينا وأجمل أفكارنا.. زرع بيننا بذوراً من الأُنس بالذات والعائلة ولم يُفقدنا طعم الأحباب بل زاد من غلوُّهم، ومن قيمة وجودنا بينهم أيضاً.. صار لنا وزناً حين الحضور، فقداً حين الغياب، من دون أن نُضطّر لنلقي ذلك بتأكيد الفعلِ أو جزم الأحكام..

الغياب ألم، ولكن التواري جمال.. يؤتيكَ جمالاً لمن تحبّ.. يجعلك تقدّره بشكلٍ أعمق . قد قرأت يوماً أنه لا وجود لمصطلح “التخلّي والهجر” بالنسبة لعلاقاتك مع الناضجين، لا يسريان هذين المصطلحين إلا مع الأطفال دون السابعة، وما عداها فأنت لا تتخلّى عن الكبار، لربما هم من تخلّوا عن ذواتهم وطلبوا التعويض منك، من وجودك.. وهذا مالا يصحّ.. وهذا ما أتعلّم الاتساق معه في عمري الآن..

أجدُ والدتي تتُقنُ فنّ الحضور، والإقتراب وإن لم يكن لها عظيم انسجام.. لكنها تتقن كيف تكون أُماً، حتى ولو لم يكن من حولها أبناءً لها، ذلك ما يُفسَرُ قرب بعض الأقارب لروحها كوالدةٍ أكثر من والديهم الفعليين، والدتي تعرف كيف تُشعر الآخر وإن كان مهاجراً أو غريباً بالانتماء، لربما فقط تستطيع أن تستمع، أو ترحم، أو تتواجد بشكلٍ مضاعف.. فينتشر ذلك الإحساس في مجلسها ويفوح..

قد يبدأ والدي بالحديث، تتواصل قصصه، فترمقني والدتي بنظرةٍ مبتسمة.. تعطيه كلّ اهتمامها، كلّ استماعها، كلّ انحنائها لذكرى لربما قد كان يقولها للمرة الألف من حياتهما سوياً، ولكنها تستمع وتصغي وتتفاعل كأنها المرة الأولى، ليس لأنها تحبّ الحديث الطويل ولكن لمجرّد أن والدي يريد أن يروي القصة من جديد ويستذكرُ دروسها..

ولأن بُعدي قد كان دائماً.. وكوبي قد كان طيلة أيام المعرفةِ مملوئاً ومحمولاً بالمحبة ومتواجداً.. أخشى ياصديقي أن القُرب الدائم يخيفني ولا يهذّبني.. أن يثير في نفسي الملل عوضاً عن الحماسة، ولا يدفعني للكشف عن المخبوء حينما يبقى كلّ شيءٍ ظاهر.. أخشى أن القرب يأخذ من ذاتي مالا تأخذه المحبة في البُعد منها.. لستُ أخاف من كلّ السطوع الذي يظهر ولكنني أخشى من التلعثمِ بالفصاحةِ حال الوجود، أن أنسخ ما يكون أمامي وأعكسه في نفسي، أن يكون المرئيّ لي هو كلّ شيء، ولا أعطي الفرصة من شدة الحبس للرؤية من زاوية جديدة، والتغيير من خلالها.. أخشى مما سيكون أكثر مما هو كائن، لذلك فالاقتراب الشديد يكون دوماً علامة توجّس، وهاجسٌ مخيف من تلاشي الدهشة.. 

أقول لنفسي دائما فلنكن ناضجين.. ولنلقي بمايدهشنا فينا خلف اهتماماتنا ولنبدأ برؤية ما يملأنا من الحياة؛ ولنغترف.. وبتلك القناعة أواجه الأيام.

تسمع نصيحةً ما أثناء صراعك لأمرٍ ما تعيدك إلى فكرتك الأولى؛ لن تصفوا لك الحياة..

مرّت عليّ بالأمس.. كانت تقول: “في الحياة سيكون لديك دائماً مشاكل من نوعٍ ما، نزاعات، أخطاء تحاول إصلاحها .. ومع ذلك عليك أن تتعلّم كيف تستمع في عيشك وتشكر عيشتك رغماً عن ذلك الذي يشغلك، وتحاول إصلاحه.”

انني أجلسُ يا صديقي على ضفاف نفسي.. أعود إليها كمن يعودُ للبحر، للسمر، للنجاةِ من زِحامه لهدوء العُمق ورقّةِ النسيم وظلالِ الحكمة.. لبعض الناس تكون نفوسهم بالتحديد هي ما يهربون منه طيلة العُمر، بالنسبة لي، فأنا بعد الله إليها أعود.. فتمدّني، تضمّ روحي، تتقبّل أنفاسي وأخطائي، تفتح لي طريقاً من الأمل، تُفرجُ لي فسحةً من المقضيّ أو تحملني على سفينةٍ مما كان، تقول لي أن ما سيكون خيراً كما الذي كان، كما كلّ الذي عَبَر من الموج، ككلّ الذي قد كان في حالٍ ما يؤذيكِ فصار في نهايته موج، موجٌ يسبحُ في مداك.. لن تظلّ لن تغرق لن تتخلَى ولن يتم التخلّي عنكِ مني حينما تعرفين الله حقّا..

من وسط البحرِ يا صديقي يكون الموج هادئاً.. تكون السماء قريبة، والنجوم قريبة، بعيدين عن ضجيج المُدن والناس، وحدي أنا برفقة من أكون، في رحلتي الفرديّة، في وجودي الذي لا يثبته سوى إحساسي بأطرافي وهذا الجسد.. نتمايلُ مع الماء، ولكننا لا ننسى كيف نتراقص مع الميل، كيف نضحك، كيف نجدُ دهشةً ما من زاويةٍ مائلة، كيف نحافظ على الطفولةِ في دواخلنا، كيف نُبقي على قناديلنا حيّة، لا يمسّها منا لغوب، نصادقها بالانفتاح فتصدقنا برغبة التغيير، والاجتهاد، والممارسة، والطقوس.. فنظلّ نلعب.. نلعبُ معها بلا تعب..

لا أعرف كيف بالتحديد أكرمني الله ووجدتُ بعد البحث ضفافي وألفتُ بحري وخضتُ فيه الموج وسامرتهُ وأحببته، ولكنني أعرف جيداً يا صديقي أن الباحث ولو لم يلقى فهو يقترب، والسائلُ وإن لم يشبع فهو يغترف والمحاولُ وإن لم ينجح فهو شريف. 

التكرارات..

تكرار التسبيحات اليومية،

الأفكار التي تتكرر على النفس،

الوشوَشةُ في يومٍ ساكن، تتكرر 

تغاريد العصافير في الصباح، لا يبدوا في ألحانها المعادة اختلافاً كبيرا، تتكرر..

القصة التي استمعناها قبل النوم مراراً، نعرف خاتمتها ولكننا نرتاح لأنها تتكرر..

أغنياتنا المُفضّلة، ألحاننا المختارة من الموسيقى .. نختارها، نطرب لتكررها كلّ مرة..

الأيام التي نصحوا عليها ونحن نعرف تماماً من نكون، تتكرر.. 

الصلاة، بأفعالها وما نقول فيها؛ تتكرر.. 

البيت حينما يُعاد من أول القصيدة إلى آخرها، نستلذّ تكرار معناه..

الحقيقة أن قصّة حياتنا معبّأة بتكرارت لولا الاختصار لصارت جميع التفاصيل مُحبطة .. نحنُ ربما بشكلٍ ما نحافظ على التغيير، نتكلّم عن الأشياء التي تغيّرت فينا، نقبضُ على القَصص المختلفة والمشاهدات العذبة التي لامستنا في أيام، ولكن اللغز، السؤال، الحقيقة تنطوي غالباً أمام تلك التكرارات التي لا يعرفها سوى نحن من خلال علاقاتنا مع الأشياء وانعقادات الكلمات في صدورنا ومدى أثر التكرار ووعينا عليه..

حينما نتأمّل في حقيقة المطر، فالقطرات تتكرر حتى إن كانت حديثة عهدٍ بربّها وكلّ حبةٍ منه كانت وحيدة ومختلفة، إنما أُشير لفعل السقوطِ والإنهمال.. احساسٌ يتكرر على الأرض ، وفي كلّ تكرار دهشه، وفي كلّ هطولٍ نعمة، وفي كلّ كرةٍ فرح..

الفصول كذلك، لا جديد .. الثلج يهطُل على أماكن بعيدة، والبرد يتكرر على الصحراءِ المتجرّدة، الورود تزهرُ في الربيع، في الخريف يتساقطُ الشجر والشمس في الصيف تذيبنا من القيظ.. دورةٌ تتكرر، تعرفها الأرض ويلمسونها النباتات والبشر على حدٍ سواء..

من هو ذا الخارج من التكرار ولو غيّر أمكنته؟ لربما يرتحل المرتحلون لشيءٍ ثابت وجدوه في نفوسهم ولو تغيّر شكلُ الأرضِ أو البشر من أمامهم، لربما استطاعوا قتل تكرار المشاهدِ ولكنهم في نفوسهم عرفوا دورات تكرر الشعورِ فقبضوا عليه، واستأنسوا به، وحمدوه..

من هو ذا الذي ينفكّ عن التكرار ولو نما وانتمى، وإنني أُفكرُ أن بعض الدهشةِ يخبوا خلف شعور الشُكر على الرحمة .. أن نستشعر حجم النعمة في التكرار.. أن يدهشنا من ذواتنا حجم أن نعود وندور ونتقلّب ونتكرر ولا نتغيّر..

لا شيء يا صديقي يقطعُ فكرةً مؤذية تعود على نفسك وتتقافزُ على عقلك كطفلٍ صغيرٍ يقول لك: أنا هُنا، ورؤيتي حاضرة ، بقدرِ ما يجعلك تغمضُ عينيك وتتنفّس وتعترف بحضورها وتصغي لإلحاحها وتكونُ في جوابها والأخذِ بها حكيماً.. 

تأتي الحكمةُ من الصبرِ على أصدائنا في هذه الأرض، من الوعيِ على التكرارات، من رؤية الحياة من بوابة الرحيل، من الإصغاء والاستماع جيداً لكلّ ما بوسع الأرض أن توصله إليك وأن تقوله.. 

التكرار نعمة، التكرار رحمة، ولا يكون لهُ وصول .. وهذا أجملُ مافيه؛ دورانه.

الرجوع.. 

رجوع الأمور إلى محلّها.. الأفكار إلى أعشاشها الدافئة في النفس.. الكُتب إلى رفوفها النظيفة، الجسد إلى عاداته القويمة.. الفكرُ إلى أركانه..

الرجوع الذي يضمنُ توبتنا عن الخطأ.. الرجوع الذي يقوينا اشتداداً لاحتمال سوءات أنفسنا.. رجوعٌ يضمن لنا اكتمالنا بالمساحة التي وضعناها حتى نتقبّل، نتقبّل ذواتنا كما تكون..

هنالك حقلٌ أريد أن أتركهُ للمتحرّك من الذرّ، للباقي من الريح، للنسيم الذي يحمل البذور.. حقلٌ تلقائيّ لا يكون فيه خططٌ مسبقة ولا أحداث مستعجلة، قابلاً للريّ من أيّ مصدرٍ كان، وللنماء حسب أيّ زراعةٍ.. أريد أن أربّي في نفسي مساحة القبول في أن أبقى في شِعابي ولو تغيّر كلّ حال، أو بقيت الأحوال؛ أن أكون كما أنا..

أحياناً أفتّش في نفسي، اذاما كان هدوئي لضمانة الرجوع فحسب، لضمانة أنني سأعود لشرنقتي وأصعدُ إلى خلوتي وسأتخفف من الدنيا بما فيها، أم أنه الهدوء القويم الضامنِ للنفسِ رغم تغيّر المساحة وخنقها لبساطتي رغم ضخامتها؟ 

لمظفّر النواب بيتٌ قد حاكاني قال فيه:

“أنا إنسانٌ بسيط، ذهبتُ إلى الأشياء بلا قناع.”

وتسائلتُ في نفسي عن الأقنعة، كم مرةً كان عليّ ارتدائها وغفلت، أو نسيت، ثم تضائلت.. وكم قناعاً في الحياة علينا أن نرتدي، وهل كُنا من صدّنا عنها نخاف، نخاف أن نضيع بين نفوسنا بالأقنعة، أو يجذبنا إحداها فنهوي فيه..؟

حين الرجوع.. حينما تهدأُ العواصف جميعها أحبّ أن أذكّر نفسي أن لديّ الكثير من البدائل وتنتظرني الكثير من الأحلام والمتراكم لإقبال عليه، وعمله.. وحين أدركُ ذلك الصوت أتحسس أيضاً خواطري المختبأة خلف الأمور التي أشعرُ حقاً بجدارتها، بجدارتي لفعلها.. فتراني أبدأ خفيفاً خفيفاً ومن جديد.. البناء لا يتغيّر، ولكنه يتراكم.. والخبرات من خلال الصدّ والردّ، تكون في بيانها أفصح، وفي جمالها أبقى..

لك الحمد يا رب الإياب.. اجعلنا منك ومعك وفيك وإليك من الأوّابين.

يأتي الغروب.. مودّعاً 

تزفُر الأشجار بعد وقوفها ليومٍ طويل 

ترجع الطيور إلى أعشاشها بسلام،

يمسحون عن أتعابهم نهاراً طويلا..

الجميع أدّى مهمّته قبل حلول العتم، والشمس راحت تطلُع على مكانٍ جديد، ألقَت بنورها على حركةٍ ثم تركت جميع الأحياء للسكون..

لا يحلّ العتم مرةً واحدة، ترتّب الشمس رحيلها بالألوان، الأغمق من الأصفر، ثم البرتقاليّ فالأحمر.. تغمقُّ قليلاً قليلاً قبل أن تودّعك.. تبرر لك أنها راحلة، ليس لسوء ما فعلت ياصغيري بل لحُكم السماء.. لأنه وجَب وقت الرحيل..

العُشب كان حليفها في الصيف ويكون طفلها في الربيع.. يقدّم لها الورد ويسامحها جفافهُ بالشتاء، يختبئُ خلف الأبيضِ فيخبوا شعاعها..

الشمس ترحل .. وتضمنُ مع جمال رحيلها قُبلةً لبني البشر.. حيث في الليل بعدها تثورُ الشجون ويغنّي الناس وتُقدحُ قريحة الشعراء ويسهرُ العاشقون .. تتركُ هي للّيلِ مهمّة الفؤاد؛ أشجانه.. ومهمّة الروح؛  ارتفاعها.. ومهمّة الجسد؛ نسيانه..

حينما ترحل الشمس تتوقّف حياة البصر، وتُقدحُ شعلةَ حياة البصيرةِ وتشتعل.. أفكارك في الليلِ ليست هي أفكارك بالنهار ناهيك عن أفكارِ لحظة الغروب تلك، لحظةُ السحر تلك، لحظة مجدِ المودَّع تلك..

في الليل.. يزور القمر.. يخبُر أن أمنا الشمس ستعود، وأنه بضوءه سيكون الحارس حتى ولو ثرنا عليه واختبئنا منه وتشاغلنا عنه.. للقمرِ طاقةٌ هادئة ووديعة تشبهُ الأحضان..

الشمس قبل عودتها علينا، توقظُ الطيور أولاً.. ثم توقدُ اللون الأزرق في سماءنا وتبعثه، ثم رويداً رويداً تصبّ نورها على عيوننا وأفئدتنا وأرواحنا وتثير خبايانا التي غطَاها الليل وتفتّشُ عنا.. ثم تحلّ على جمالٍ في مكانها الصحيح.. الأحمرُ فالبرتقاليّ فالأصفر والأبيض.. تعود لتُحيينا..