الرجوع.. 

رجوع الأمور إلى محلّها.. الأفكار إلى أعشاشها الدافئة في النفس.. الكُتب إلى رفوفها النظيفة، الجسد إلى عاداته القويمة.. الفكرُ إلى أركانه..

الرجوع الذي يضمنُ توبتنا عن الخطأ.. الرجوع الذي يقوينا اشتداداً لاحتمال سوءات أنفسنا.. رجوعٌ يضمن لنا اكتمالنا بالمساحة التي وضعناها حتى نتقبّل، نتقبّل ذواتنا كما تكون..

هنالك حقلٌ أريد أن أتركهُ للمتحرّك من الذرّ، للباقي من الريح، للنسيم الذي يحمل البذور.. حقلٌ تلقائيّ لا يكون فيه خططٌ مسبقة ولا أحداث مستعجلة، قابلاً للريّ من أيّ مصدرٍ كان، وللنماء حسب أيّ زراعةٍ.. أريد أن أربّي في نفسي مساحة القبول في أن أبقى في شِعابي ولو تغيّر كلّ حال، أو بقيت الأحوال؛ أن أكون كما أنا..

أحياناً أفتّش في نفسي، اذاما كان هدوئي لضمانة الرجوع فحسب، لضمانة أنني سأعود لشرنقتي وأصعدُ إلى خلوتي وسأتخفف من الدنيا بما فيها، أم أنه الهدوء القويم الضامنِ للنفسِ رغم تغيّر المساحة وخنقها لبساطتي رغم ضخامتها؟ 

لمظفّر النواب بيتٌ قد حاكاني قال فيه:

“أنا إنسانٌ بسيط، ذهبتُ إلى الأشياء بلا قناع.”

وتسائلتُ في نفسي عن الأقنعة، كم مرةً كان عليّ ارتدائها وغفلت، أو نسيت، ثم تضائلت.. وكم قناعاً في الحياة علينا أن نرتدي، وهل كُنا من صدّنا عنها نخاف، نخاف أن نضيع بين نفوسنا بالأقنعة، أو يجذبنا إحداها فنهوي فيه..؟

حين الرجوع.. حينما تهدأُ العواصف جميعها أحبّ أن أذكّر نفسي أن لديّ الكثير من البدائل وتنتظرني الكثير من الأحلام والمتراكم لإقبال عليه، وعمله.. وحين أدركُ ذلك الصوت أتحسس أيضاً خواطري المختبأة خلف الأمور التي أشعرُ حقاً بجدارتها، بجدارتي لفعلها.. فتراني أبدأ خفيفاً خفيفاً ومن جديد.. البناء لا يتغيّر، ولكنه يتراكم.. والخبرات من خلال الصدّ والردّ، تكون في بيانها أفصح، وفي جمالها أبقى..

لك الحمد يا رب الإياب.. اجعلنا منك ومعك وفيك وإليك من الأوّابين.

يأتي الغروب.. مودّعاً 

تزفُر الأشجار بعد وقوفها ليومٍ طويل 

ترجع الطيور إلى أعشاشها بسلام،

يمسحون عن أتعابهم نهاراً طويلا..

الجميع أدّى مهمّته قبل حلول العتم، والشمس راحت تطلُع على مكانٍ جديد، ألقَت بنورها على حركةٍ ثم تركت جميع الأحياء للسكون..

لا يحلّ العتم مرةً واحدة، ترتّب الشمس رحيلها بالألوان، الأغمق من الأصفر، ثم البرتقاليّ فالأحمر.. تغمقُّ قليلاً قليلاً قبل أن تودّعك.. تبرر لك أنها راحلة، ليس لسوء ما فعلت ياصغيري بل لحُكم السماء.. لأنه وجَب وقت الرحيل..

العُشب كان حليفها في الصيف ويكون طفلها في الربيع.. يقدّم لها الورد ويسامحها جفافهُ بالشتاء، يختبئُ خلف الأبيضِ فيخبوا شعاعها..

الشمس ترحل .. وتضمنُ مع جمال رحيلها قُبلةً لبني البشر.. حيث في الليل بعدها تثورُ الشجون ويغنّي الناس وتُقدحُ قريحة الشعراء ويسهرُ العاشقون .. تتركُ هي للّيلِ مهمّة الفؤاد؛ أشجانه.. ومهمّة الروح؛  ارتفاعها.. ومهمّة الجسد؛ نسيانه..

حينما ترحل الشمس تتوقّف حياة البصر، وتُقدحُ شعلةَ حياة البصيرةِ وتشتعل.. أفكارك في الليلِ ليست هي أفكارك بالنهار ناهيك عن أفكارِ لحظة الغروب تلك، لحظةُ السحر تلك، لحظة مجدِ المودَّع تلك..

في الليل.. يزور القمر.. يخبُر أن أمنا الشمس ستعود، وأنه بضوءه سيكون الحارس حتى ولو ثرنا عليه واختبئنا منه وتشاغلنا عنه.. للقمرِ طاقةٌ هادئة ووديعة تشبهُ الأحضان..

الشمس قبل عودتها علينا، توقظُ الطيور أولاً.. ثم توقدُ اللون الأزرق في سماءنا وتبعثه، ثم رويداً رويداً تصبّ نورها على عيوننا وأفئدتنا وأرواحنا وتثير خبايانا التي غطَاها الليل وتفتّشُ عنا.. ثم تحلّ على جمالٍ في مكانها الصحيح.. الأحمرُ فالبرتقاليّ فالأصفر والأبيض.. تعود لتُحيينا..

بياض وحضور وإزهار.. الكون أوسع من نفسك

أدِر وجهك للإيمان، تسلم، وتعلَم.. 

تعلّم أن الله أكبر،

أكبر من دنيا تحتضنك وأموال تعطيك الرزق وأشخاص يملؤون فراغاتك.. 

الله أكبر.. 

أكبرُ من تجويفة جسدك وشقاء قلبك واشتياق أجنحة روحك للسماء.. 

الله أكبر..

والمدى أوسعُ من أحزانك الصغيرة، من أوجاعك القصيرة، من وقوفك وتردداتك..

الله أكبر..

والروح في هذه الدنيا تغترف، والجسد يظلّ يقترف بينما تكونُ نفسك أوسع وأكبر.. 

الله أكبر..

من حيث لا تضلّ ولا تشقى ولا تتعب، ما أمامك لا يشفع لما خلفك وما خلفك لا يكون سوى فيضٍ وما أنت إلا الندى..

الله أكبر..

والنور لا يُعرفُ إلا بعد عَتم، والإشراق لا يحلّ إلا بعد ظلام والفُكرُ لا يهتدي إلا بعد عميق ضلال السؤال وضآلة المؤمنِ دائماً ماتكون حكمته..

اللهُ أكبر..

ولقد أعطانا الأقدمون عناوين للوصول، لا نعلمُ من حيث كُنا نستكملُ السير أم نظلّ نتخطّفُ وتأكلُ رؤوسنا الطير.. ولكننا بالأحلامِ نحاول، نتجافى ببصيرتنا عن الموت، ونؤمّلُ بتخليد فكرة..

اللهُ أكبرُ يا عزيزي..

والقيود لا تكون إلا على الذين يبتعدونَ ولا يتقرّبون، والكون لا يكون سوى للأكبر..

أنباء وعلامات ومجاميع رؤىً لا تحولنا إلا لفكرةٍ نستفيض منها، وقوّةٍ نتدّثرُ بها ولمحةٍ على أطرافِ السماء تؤدي بنا للأقومِ والأكبر..

اللهمّ اجعل حضورك في هذا العقلِ علامة، وبقاءُ اليقين فيك والتوكّل عليك على حجم وجوده دائماً واجعلني منك وفيك وبك ومعك وإليك من الشاكرين المدركين المبصرين جلالك وعظمتك.. يا رب..

أن نخلق التفاصيل.. من عمق الصمت الخالص، 

أن يكون لنا من الحياة؛ مهدّئات.. وما يقول لنا حين نفزع ونسرع ونضيع أننا بخير، وعلى خير..

أن يكون لنا في الفراغات؛ استدراك عميق، للمعنى.. 

أن ينعجن الأمان في تكويننا لجميع خطاباتنا الداخليّة، ونلمسه..

أن نجاور ونتجاور ونحبّ ونُحَب ونتجاوز أتعاب العالمِ في سكون ذواتنا..

أن نُبقي وتبقى عاداتنا أموراً نؤديها فنستريح..

أن تتضاعف الكلمات التي بوسعها أن تصف جميع أحوالنا.. حتى نكتب فتكون لنا الكتابة خيمة، حماية، دفئ، وعنوان أمان..

أن نكون بخير، ونستشفّ من أيامنا القصص التي تشحذ رغباتنا في الحياة وتُضاعف أحلامنا وتبني بزاويتها جسوراً بيننا وبين عزيمتنا لنشعر بأننا قادرين على ما نحن قادرين عليه، ومسلّمين على مالم نكن لنقدر عليه..

أن نمتلك جبالاً من الوعي ولكننا نستخدمه، في الحال والشعور والمساحات والعلاقات مع الآخرين.. نصرفهُ ولا نبالي بارتفاعه وهبوطه، بل نكونه، ونتبنّاه..

أن يُرى فيك شيئاً ما.. أن تهَب الآخرين علامةً حتى ولو لم تكن متضمناً فيها، أن ترسل رسالةً من رسائل الله فتجري على لسانك بشكلٍ منساب، من دونما شعور.. 

أن تتمنّى فتُحصّل أمنيّتك ليقول لك الله من خلال التحصيل أنك بخير.. ولا تزال يا عبدي قريب..

أن يكون انسجامك مع نفسك متحلّقاً حول السماء، السَعه تفعلُ في دواخلك ما لا يفعله الأحباب ولا المقرّبين ولا الأصدقاء، النجوم ، ثلاثةٌ منها فقط هي التي تبدوا ساطعةً في سماء الرياض، تعطيك مع صمت الليل ما لايمنحه لك أيّما يحمل البهجة إليك ولو حاول..

كم هي بعيدة.. كم أنت قريب.. كم تكون صغيراً، وكم يكون الكون شاسع العَظمةِ والوُسع فما بالك بربّ الأكوان سبحانه..! صغير وحجم مشاكلك أمام سماء الليل يبدوا كما رأس الإبرة، أو أصغرُ بكثيير من ذلك، كلّ شيءٍ ماضٍ، ونحن على أجل .. بل لربما نحنُ نحقق الأجلَ من خلال ختم الأيام وابتدائها من جديد، حتى موعد الأجل..

أفكار صغيرة تزورك في العَتم، وتقاومها.. وأفكار كبيرة تزورك بين الناس، وتحاربها أو توثّقها، ما قام في صدرك كان واحداً ، ولكنّ اتجاهاً منه كان ملاكاً وآخر قد كان وخزاً من شيطان.. أنت وليّ أمر نفسك ووليّك الله، مصدر الفكرة واحد، ولكن بالقلب وحده نعالج أصعب ما فينا.. ريحٌ هو الإيمان تقتلعُ في سريانها أشجاراً من الشكوك والقلق المتجذّر والخوف، كلّ شيءٍ يغدوا بعدها ساكناً، بعد التحوقلِ والمشيِ والسماءِ والتذكّر، نكون بخير..

اللهمّ واجعل الإيمان فينا مرساةً للنجاة، وأشعل في صدورنا قدح المحبّة التي لايشغلنا في نورها وأنوارها عنك شخصاً من العالمين، واملأنا برغبة النجاة ورغبة الحياةِ ورغبة العبادةِ وحبك، حتى تكون استقامتنا على بابك ألذّ علينا من الدنيا وما فيها.. يا رب..

يتوكؤون على أنفسهم وكأن الغد أبعد ما يكون، حالمين كأنما لا نهاية، وتوّاقون بحجم الظنّ الحسن، مبصرون كأنما يشاهدون خلف الأشياء ووجلونَ كأنما يعيشون بقلوب أمهات العالم، فاقدين ويعطون مما فقدوا أضعافاً من الرحمة، ومُدركونَ على حجم اختيارهم للغفلةِ كأنما حَجَبهم تعاميهم عن السوء فلم يروا إلا خيرا ولم يقولوا إلا خيراً ولم يقابلوا إلا خيراً فكانوا هم الخير وكانت ديارُ قلوبهم سلاما..

حينما أجفلت الحياة كانت لهم جرأةُ الفضول تجاه الوُسع وآمنوا بالرزق الوافر، وحينما فُتّحت أمامهم الأبواب لم يطمعوا بالموجود وشكروا، شكروا لأنهم يعرفون أن الواهب أكبرَ حينما عبّأ ثغرات نفوسهم وجعل لدروبهم فيما يحبّون سبيلاً سالكاً..

طلبوا الطمأنينة، ولما سَكنت نفوسهم كانت وعاءً للحنان.. وكانوا من خلالها أسعد الخَلقِ بذواتهم قبل العالم، وبالعالمِ بعد الذات حتى بَدى أن جنّتهم متعدّيةً ظاهره. لا تبتعد عنهم ولا تخطئهم.

كانت لهم العزلة دواء، والخِلطةُ داءٌ يستحقُ التمهّل والتبلسُم والعلاج.. كانوا يضيئون العالم من خلال الانكفاء ويُشرقون من خلال الصمت ويضحكون إذاما تسرّبت من أعماقهم فكرةٌ مطمئنةً يكتبونها، وكأنما يرتفعون للسماء ويتنزّل من أقلامهم ماء الأرضِ وفحوى مقادير الحياة وأسرارها..

حقييّون؛ لا يخشون من حقيقتهم، ومتصالحين لا يخشون من تصالحهم، وطيّبين لا يخافون من طيبتهم أمام عالمٍ يوصف بالشراسة والشراهة.. كانوا يقتصّون من رقّتهم منطقاً يرون من خلاله وكانوا في مدى رقّة طبعهم أقوياء وكأنما خُلقت الرقّة في الطبعِ من جسارةِ القلبِ حتى اذاما قابلوا ذوّبوا النفوس وأشعلوا بين الذات والذات شعلةً للدفئ الخاصّ والمحبة الخالصة، تدوم بينهم وبين الناس مودةٌ لا تنطفئ بينما يبقى في صدورهم شُعلُ حنان دائم..

أشخاصي هم المكتفون باطناً، السعداء ظاهراً، الصامتين أكثر من المتكلمين، العارفين أكثر من المُتظاهرين بالمعرفة.. شخوصي هم الحالمين.

“تسير على الطريق، لاتردي ماذا سيجلب لك الغد، ولكنك تتيقن أن الله معك، وأنك محاط بالذين يحبونك بصدق دون انتظار شيء، وأنك تحمل العزيمة رغم التعب، ولأجل ذلك، لأجل ذلك كله، تعرف أن الطريق وإن طالت ستلين، والغد وإن تأخر سيأتي، حاملاً معه ليس فقط المشقة، ولكن الزهور.”

في بداية الإسبوع كنت قد استمعت رسالةً من رسائل الحب للكاتبة إليزابيث غيلبيرت والتي قال لها فيها: “هناك قول مأثور لديكم، أيها البشر، مفاده أن الإنسان يضع الخطط والله يضحك – وهذا ليس صحيحًا بالمعنى الدقيق للكلمة، ولكن أريد منكم أن تفهموا طبيعة ضحك الله. انها ليست ضارة. انها ليست سخرية. الله لا يضحك في أكمامهم، وهو يراقبك تتبختر في الشارع معتقدًا أنك في طريقك إلى السيرك بينما في الواقع أنت على وشك الوقوع في حفرة. وفي الواقع، في بعض الأحيان، وقعت في حفرة عندما ظننت أنك في طريقك إلى السيرك – ونعم، كان الكون يعلم أن ذلك قادم عندما لم تكن أنت تعلم ذلك. هل كانت تلك خدعة قذرة؟ أم أنها كانت قصة أفضل؟عزيزتي، من يحب القصص الجيدة أكثر منك؟ حسنًا، الله يفعل ذلك، على ما أعتقد. وكم ستكون قصة حياتك مملة إذا عرفت نهايتها دائمًا؟ كم هو شاق أن تستيقظ كل صباح، وتخطط لبداية ووسط ونهاية كل لقاء، وتحصل دائمًا على ما كنت تتوقعه، مخططًا له؟ الخطط قصيرة المدى، والخطط طويلة المدى – كل واحدة منها ناجحة بشدة، وتم وضع علامة على كل عنصر في القائمة دون تغيير على الإطلاق. فكر يا صغيري، هل تريد حقًا أن تعيش في مثل هذا العالم؟”

ثم ارتطمت صباح أمس ببيت أبو العلاء المعري الذي يقول فيه : “تقفون والفلك المسخّر دائرٌ، وتُقدّرون فتضحك الأقدارُ.”

وكنت قد شعرت في نفسي بغربةٍ لم أعهدها.. رأيت الغرفة كأنما أحس فيها بمفارقةٍ وحُلم، وحقيقةً يسري الخوف أحياناً في النفسِ مسرى النَفس، ولا أحد يستطيع أن يضع يدهُ على مواطن المخاوف فينا ليس لأنها لا تُرى فحسب، بل لأنها تهبطُ أحياناً من حيثما لم نحتسب، ومن دون سبب.. أستطيع أن أكون بوثوق العالمِ وفي غمضة عينٍ يتبدّل حالي من رحمة العلوّ إلى ضيق الخوف ويبدوا حينها المكان ضيّقاً حرجاً على نفسي ويرتجفُ قلبي ولا يقدرُ لساني على الإفصاح، وأحسّ فجأةً أنني في مكانٍ سأغادرهُ ولا يصلح أن أكون فيه.. شعرةٌ واحدةٌ هي المفارقة بين ما أستلطفهُ وبين ما أخشاه، مايبقيني على صمت هو استشعاري لقربِ الحافةِ مما قد يجرّني للإنزلاق لذلك أحبسُ دائماً نفسي عن تماديها..

بطبيعة الحال، كنت لأحب أن تبقى لديّ الأمور مبسوطةً والأحوال عاديةً والمشاعر ليست تسيطر حتى على جسدي وطريقة تفكيري وتحرّكاتي، كنت لأحبّ لو بدى كلّ شيء مقدورٌ عليه، ولكنني من خلال اعترافي بالضعف أقدرُ على نفسي، وأعرفها أكثر مما أتكبّر عنها وأصارحها لست أهذّبها فحسب وأمهّدُ لها من الطريقِ ما يعينها لست أرغمها .. أشعر معها في أُنسٍ لأنها لاتشعرُ معي بالخطر.. ولست آخذتها إلى مكامن الاحتراق بل أحاول أن أفتح لها دوماً من الأبواب ما يملأ هوائها ويقررُ وجودها ويجعلُ النسيم عليها يعبُر بوساعة.. لست هنا للوعظِ فيما تُجبلُ عليه النفوس فالطرائُق بقدرِ ملامح الخلق ولكنني أستطيع القول أننا من خلال بناءٍ واحد، كُلٌ على حِده، نستطيع أن نُشكّل نفوساً أكثر صحةً ومجتمعاً أعلم بنقاط قوّته وضعفهِ وعالماً أفضل حالاً مما هو عليه.. لطالما أسرتني الآية ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

وأنا أحاول من خلال علاقتي فيها أن أجعلها أفضل، أن أشاهد الأمور بطريقةٍ أجمل، أن أحبسها صبراً وأجمعها شُكراً وأتأمّل من خلالها الرحمة كيف تتنزّل والحب كيف يُوهب والقدرةُ كيف تكون مكفولةً والعجز كيف يكون معجوناً فيها خصوصاً وقت تبدّلها حينما تلعبُ في الذاتِ لعبتها وتتشقلبُ بالمشاعر عليكَ وكأنما ما بنيت ولا هدمت.. ولكن غاية المؤمن أن يحاول وأن يستجمع قلبه فالطريق إلى معرفة الله لا يحسبُ بالأميالِ ولكنه يزيدُ وينقص بحضور هذا القلب وعلى قدرِ رغبتنا بالنوايا أن نحسّ ونعرف ونقرأ ونترجمُ الأقدار حسبما أنه من خلالها أعلم وأرحم فينا.. وسواءً وافق القدرُ قصةً نرويها أو موعظةً نصبرُ فيها يبقى ما استقرّ في القلبِ من مضيّها علينا هو الزرعُ الذي سيجول في نفوسنا ويصول قبل أن تنزعهُ لحظة جزع.. وهنا لا يكون الخوف من التأخرُ في هطول المطرِ ولكن أن لا تكون معنا بذور صافية ننتظرُ من خلالها الرزق حتى اذما جاء وإن تأخّر؛ يُزهر.. ماتعتقدهُ في الله هو كيس بذورك، رزقك بين يديك، والمطر قادمٌ لا محالة .. فاصبِر وارضى حتى تُعطى فتشكُر، وكن بخير …