ولمست الخلوّ الساكن، شعرتُ به يأتي إليّ، يقضّ مضجعي، الوحش الذي حاولت بشتى الطرق أن أهرب منه منذ طفولتي، وحاولت أن أعبئ نفسي حتى أطفوا؛ وأشاهد السماء دوماً.. لم أكن أبتغي أن أمارس السباحة مثل الجميع وأعترُك مع ماء الحياة.. كان الطفوُ والصمت الذي يعبّئ أذناي من الماء، وملوحة بحر الحياة التي تجد مكانها إلى انفي وفمي كافيان، مادُمت أشاهد السماء؛ أطفوا باهتماماتي ولا أثير ضجّة السباحة أو أتعرّض وأعترض كثافة الماء..

كان هنالك شيء يثقل نفسي حينما أشعرُ بالواجب تجاه أحدهم، الطفوُ لمدةٍ طويلة يجعلك تدمن تلك الخفّة التي تبدوا على جسدك ولو كنت ثقيلاً على اليابسة، أنت في الماء بوساعة الاهتمامات تستطيع أن تطفوا وتفقد وزنك، تفقد أذنك، يغمرك السكون في حضرة الأزق والأبيض والعتم والنور، تسترخي عن يديك، عن رجليك، تطفوا فحسب..

غريبون نحن البشر، قد نحبّ ما قد كنا نهرب منه.. ها هو الماء يعلو واهتماماتي تصير ثقيلة، ورغم مناعتي وحبي للأفق أستطيع الآن أن أشعر، عليّ أن أستقيم في مواجهة كثافة الماء وأسبح لبعض الوقت، عليّ أن أختلط من جديد وأمرّن عضلاتي على التقبّل وأمارس إيماء العقل والحديث والحالِ وأمتهنُ الفهم والمواراة والمشاعر الظاهرة والمشاعر الباطنة وعليّ؛ عليّ أن أسبح،

غريبون نحن البشر، قد نحبّ ما قد كنا نهرب منه..

هاهي ذراعاي تمتدّ وكأنني سمكٌ يعرف أسرار البحر منذ مدّةٍ طويلة، هل فادتني قرائاتي؟ هل كانت الكتب لي أخشاباً أتسلّق عليها فتيسّر سباحتي أمام هول الماء الذي يمتدّ لآخر الأرض ولا ملامح لليابسة؟ من الذي يساعدني سوى عناية الله ولطفه العظيم؟ أجدُ في نفسي وبذلي لها سكوناً رغم التعب، يبدوا في قلبي كلّ أمرٍ في مكانه، أبدوا رغم الحركة الدائمة الدائبة في مكاني الصحيح.. هنا سكونٌ كما هنالك سكونٌ ولكنني هنا أمارسُ، وهنالك لا أتحرّك، هنا أطبّق وهناك أتعلّم فحسب، هنا أكون جسداً بروح وهنالك أكون روحاً بلا جسد، فمن أنا ومن هم وما هي هذه الحياة وما يكون مجاز الماء ولماذا يستنزفوننا البشر، لماذا نبدوا مليئين بالروح خالين بشهوة الجسد، ولماذا تبدوا المغريات أحلى من بعيد؟

هل تضمُر العضلات في نهاية العُمر فنعود للطفو؟ ها أنا أشاهد الجميع يسبح، حتى والدي السبعينيّ -رحمه الله- لم يبدوا بأنه يميل للهدوء والراحة، يبدوا قد أدمن الجسد والروح على حدٍ سواء.. والدتي الستينية تحبّ طفو الروح ولكنها أيضاً تسبح، ماهذا العالم الذي يرغمك أن تكون مالاتكون، ويحببك فيمن لا تكونه..؟

تبللت يا صغيري؟

تعلّمت السباحة؟ 

آذوك بالتحرّك؟ 

مِلت مثلي إلى الطفوِ أم أحببت العمَل؟

سيحرّكونك.. ستحبّ الذي كنت تكره، وقد تكره الذي كنت تحبّ، ستولد من جديد، ستتغيّر وسيكون لك الفضول في أن تُسبر أغوار نفسك الجديدة أكثر.. البحر لا يُدمي واليابسةُ لا تُغرق، السكون يزيد روحك والسعيُ قد يضيف إليك الكثير.. فتعلّم أنلا تتعلّم، أو تعلّم كثيراً ولكن لا تحسم نفسك، فكما كلّ الفصول؛ ستتغيّر.

يعجّل الله الرزق في الدنيا لسبب، ويؤخّر الرزق لأدب.. إن شعور الإستغناء والإستحقاق والكذب على لسان الأقدار التي تحركنا على مهلٍ وعَجل؛ أساليب للخائفين من الإيمان بفساحة الربّ الواسع الكريم.. لعلّ ما يجعل كلّ قدرٍ في هذه الدنيا مجال قُربٍ أو وسيلة اعتراف هو وجود النغم الخلفيّ للخلق والتكوين والتسيير والحكمة، الحكمة التي لا نفهمها، الحكمة التي لا نستطيع الخروج عن دوائرها ولو مكننا الله.. لأجل كلّ ذلك، احمد الله.. احمدالله يا صغيري أن وكيلك عزيز وأنت له عبدٌ أعزّك بوكالته وولايته وحده..

مرحباً يا صديقي وسأعجّل رسالتي لك اليوم لأنني أشعرُ بأمور مختلطةٍ على قلبي ومجتمعة فيه.. وإني كلما فتحت حال الحالِ لأرى، وجدتني قد وجدت بعد الفقدِ أكثر مما قد كان لي من قبله بالمكسب، ولقيتني وقد اطمأننت، لكلّ الميسّرِ وجميع المدبّر.. 

أخبرك، أنه ورغم استطالة الأيام الحارّه، أن في داخلي تبسّم، لم أقترب ولم يقترب لي أحدٌ ولم أُفضِ مافي دواخلي منذ زمن، وعلى العكس من الإفضاء والمشاركة أجدُ أن خلوّ الحالِ من ذلك الحال العريضِ بالقولِ مؤنساً بشكلٍ مشجّع، أقرأ كتباً طويلة وأنهيها بأيام، تثير في داخلي أسئلةً جديدةً حول عوالمٍ وشعوب لم أفكّر بها يوماً، أيامٌ هادئة وقراءاتٌ غزيرة تثير لحن وجودي..

لا أخفيك، ظننت لوهلة أن هذا الطول، وهذا الصيف، وهذا القيض الذي يحيل كلّ استطابةٍ لامتعاضة، أنه سيجعلني أرتبك أمام اللحظة، وأخاف من إتمام الأمور ولعلّي بفضل الله ورحمته قد تجاوزت نفسي بالإدراك والصبر .. الإنجازات البطيئة تشحنني لسبرِ أغوار صبري الذي انتقدتهُ دائماً.. الصبرُ على حالٍ دائمٍ يُفتّحُ لك أبواباً من السَعة، أنت الذي قد ظننت نضوب اهتماماتك مع الوقت، ها هي تشتعلُ من جديد! وتشغلك..

ما أحلى انشغال المرءِ في نفسه يا صديقي.. ما أعذب أن يُشغلك فضولك عنك، وعن العالم، وتكون من خلالهِ عبداً للمعرفة.. الفضول الذي لايوصلك بأحدٍ ولكنه يشبكك مع العلم، العلم الذي يطولك ويملأك ويشحنك ويذيبك ويرفعك ويطوف بك، العلم الذي يريك أن الحياة بكاملها صغيرةٌ جداً جداً أمام بحره، وأنك لو بلغت الزمن كلّه فلن تُعلوا مداه، علمٌ يبلغك ضعفَ عُمرك عن بلوغه .. وأنا أحبّ هذا الورث الإنسانيّ مما حاول الأوّلون أن يهمسوا لنا فيه، وبقينا في هذا الزمن عاجزين أمامه، ولعلّ للعلم مفاتيح أوّلها الصبر على عاديّة شكل ممارستك بين الناس وآخرها أن تكون المستلذّ الوحيد الذي يفتح كتابهُ في منتصف الليل وبسكون العالم طالباً دهشاته الخاصة .. ساعياً إليها، ساعياً لنفسه..

أحرصُ دائماً على أن لا أسعى خلف الشعور بقدرِما يكون سعيي خلف جودة المعنى، فقد يغريك أوّل الطريق بجمال مشاعره حينما يداعبك حفيف أشجار الفضول المتلاقيةِ في أطرافها وتعجبك من نفسك الرغبة وترى خطواتك تمتدّ بلا تعبٍ ولا خوف .. تخشى عليك أن تكون في المنتصفِ وقد فارقت الفضول وبقيت في تحدّي العزيمة، هل ستكمُل حتى ترى النهاية بعد النفق، أم سترجعُ لتتنعّم بجمال البدايات التي سحرتك رغم النهاية المغمورة، أن ترخي يديك للعلم يعني أن تتوائم مع شعورِ تعدد الطرق، مالا يُلغي الوصول الى الغاية ولكن التعدد سيجعلك متواضعاً أمام حالِ عدم الحسمِ الواحد للمعرفة. ستظلّ ياطفلي طفلاً أمامها، صغيراً على النظر بعين ثاقبة حيث لاتكون سوى في غابةٍ نمت جذورها منذ ملايين السنين وعُمرك لم يبلغ عقده الثالث بعد..

قد أستطيل ياصديقي بالحديث عن العلم وأنا لم أبلُغ شواطئه.. ولكن ما يغريني فيه هو هذا الصبر الطويل، هذا الصبر العريض الذي يفاجئك بوسط عاديّته بيوم فضول، فتسترخي بعد ما قد كان يمرّ ببطئ أمام واحةِ الاستزادة العريضةِ من المحبة، من المعرفة، ومن العلم ..

حتى ألقاك يا صديقي وجداً ووجوداً وبلوغاً.. أرجوا أن تكون على خير ما تحبّ، وخير ما أحبه لك..

كن بخير.

اليدّ الواحدة لا تُصفق،

الانتظارات لا تُغني من الحبّ شيئاً،

النوافذ تشهد التغيير ولا تتغيّر،

دافع الإحساس الوحيد هو الكتابة

الجمال لا يُضفي دوماً على المرء جدوى أو يستعيد له السعادة،

الكمال الزائف يورث النقص فينا،

الرفاهية تُنجبُ نفساً طفلة 

الشقاء يُنجبُ نفساً ذات كهولة 

التوغّل بالمعنى يفعل مثلما يفعل الشقاءُ بالنفس،

رغبة الانفتاح ورغبة الإنعتاق عتيقة، بقدرِ عُمر الزمن.

مقاومة النفس ليست فعلاً جديداً إنما عملٌ يستحق الاحتفاء،

الهدوء واحتفالاتك الخاصة ونهوضك من جديدٍ وإيجادك سبباً للإلهام اليوميّ، أجدى بكثير من التفات الآخرين إليك ودورانهم حولك،

القهوةُ الطازجة في صباحٍ جديد، دهشة مرارةٍ متجددة،

قد يُضفي البياض احتمالات أكبر مما تعطيه لنا الألوان، كما قد تعطي الصحراء أحلاماً أكبر من الحيادِ في تكوينها الأشقر.

الظلم والألم والقسوة والظلام ليست أموراً جديدة إنما هي مايظهرُ على السطح بالإدراك وما يجب قبوله

السعادة تكبُر بالمشاركة، كما بعض الأحزان حينما نشاركها تكبُر

الكلام يعملُ على الشعور عامل تفحّص، فإن هو أكّدهُ وُجد وإن هو تغاضى عنه اضمحلّ،

النفس الكبيرة لاتعرف الإستسلام ولكنها تعرف التسليم والضعف لرب العالمين وحده،

القلب ومن فيه كونٌ ومدار، العناية تكون بمن وما يجول فيه،

لسنا مضّطرين أن نذهب مع كُل من يمدّ إلينا يده، نملك خياراً بالتراجع والهروب أحياناً،

ليست الإنجازات ولا التعمير ولا المال، إنما مايبقى عنك في قلوب الناس هو الأثر،

سماء روحك أكبر من غيم مشاعرك، وطقسُك ليس مُضطّراً للتأثّر بطقوس الآخرين، نحن مع من حولنا عالمٌ كبير ومناطق، احفظ لنفسكَ طقوسك/شعورك من التأثّر لتكون فاعلاً.

نجاتك.. بعد الله، لن تكون بين يديّ أحدٍ غيرك. الوقت يمضي والإنسكار يُجبر والوداع صعبٌ ولكنه يُجتاز والتغيير أصعب ولكننا نتأقلم؛ فحينما تتغيّر طمئن نفسك بتسريع عملية التموضع حتى لا يمضي الوقت بعزاء نفسك عن الغفلةِ من ممارسة الحياة كما تكون بوجهها الذي يكون.

على قدرِ ما في العالم من بشر، على قدرِ مافي العالم من قصص وضِعفهُ من خيالات وإبداع وبواطن وأفكار جديدة، الدهشةُ لا تنضب، ولكن من يكون على استعدادٍ أن يراها رغم كمونها في الآخر؟

اللُغة موطنٌ في العقل، كلّما تعددت لغاتك زاد ترحالك حول العالم.

لنشرق دوماً ياصديقي رغم جميع الغزارات في أحداثنا.. مادامت الدهشة؛ فسنكون بخير.

ولطالما كررتها على نفسي وقلت، 

خذيها بالتوازي.. فلاشيء سيبقى إلى الأبد؛

كما اللحنُ الخلفيّ، هنالك حياةٌ خلفية نحب أن نحياها بالتواري عن الواقعيّ..

كيأس البندقية الخالية من الرصاص، نحبّ لو كان لنا فاعليّة..

كسريان سرب الطيور من راحة الأعشاش، نحبّ أن نسعى..

كخيط النور الممتدّ من الشمس لمجسّم الغرفة صباحاً، نحبّ لو كان لنا بعض الجمال في ذات تكويننا كأرواح تحيا بالمحبة..

كشجاعة الصبيّ وسط مجموعته القاهره، نحبّ لو بقيَ حولنا كلّ من كانوا..

كفصاحة الشاعر في تلاوةِ قصيدته بين الشعراء، نحبّ لو كان من يسمعنا يقول؛ الله الله الله..

كمغيب الشمس، نحبُ لو لا نُملّ؛ رغم تكرارنا..

كخطوةٍ في عقلِ سائح؛ نحبّ لو تجددت في عيوننا الدهشة..

كالدموعِ في عينيّ رضيعٍ صغير، نحبّ لو أن آلامنا تظهرُ بالتعبيرِ وتنتهي بالتغذية..

وكاغتباطِ الأمّ بإنجاز الغذاء فالهدوءِ بعده؛ نحبّ أن ننجح.. 

وكما فُسحة الكلام بين صديقين، نحبّ لو أن في عقولنا ما يغفرُ الزلل، ويلاقينا بالرحمةِ في المنتصف..

كهيبة المكتبات الكبيرة نحبّ لو أن لنا من الإلفةِ بالعلم بقدرِ ما للرفوفِ من احتمال..

كإنكسار العابدين أمام الله، نحبّ أن نكون في أفعالنا أبلَغ.. 

كذبول الورد السريع، نحبّ لو تُنسى أخطائنا..

كإنصات العاشق لهمسِ حبيبته، نحبّ أن نكون مُقدّرين..

كتلقائيةِ الحضورِ لممثلٍ قديم على المسرح، نحُبّ لو امتلكنا بعض الثقة..

كنجمةٍ وحيدةٍ في سماء ليلٍ طويل، نحبّ أن نخلوا..

وكهبوب النسيم الرقيق على قريةٍ جبليةٍ وديعة، نحبّ أن نكون..

أقول لنفسي؛ هذا العيش بالتوازي.. 

كلّ حرمان لسبب، وكلّ عطاءٍ لسبب، ويوماً بعد يوم سيتجلّى لي المعنى من الألم.. ولا شيء يبقى إلى الأبد.

أتعلم مالذي يؤلم حينما تفتح الجروح مرةً ثانية؟

علمك أنها ستمضي أيضاً.. وكأن مشاعرك بتلك البساطة وذلك التعقيد في آن.

وهكذا هي حياتي يا صديقي.. بين شعورٍ وكلمات، وبين خيبةٍ وارتفاع، وضجيجٍ وهدوء، وذنبٍ ورجوع لدرجةٍ تشعرني أحياناً أنني من بُدّ العابرين أستطيع أن أطوّع روحي حسب ما أبتغي وكأن لي حاسةً سادسة أمارسها من خلال الصمت والتبصّر؛ فتكون حياتي كما شبكةٍ لا مجال فيها للعبَث، كلّ سؤالٍ يؤدّي وكل علاقةٍ تُحرز، وكلّ حركةٍ تكون في دائرةٍ محددة من وقع الحياة عليّ، وفيما تبدوا حيوات الآخرين بالنسبةِ لي مطراً من المفاجئات تبدوا حياتي مصباً متوقّعاً للنهرِ من البحر، دِفةً ضيّقة يسري فيها ماءٌ بارد يشحنه اليقين ويباركُه ورود السائلين.. أقبلُ أن تعبُر عليّ جميع مخلوقات الله، وترتوي، وكأنني أميلُ بأن أكون ذلك المعبَر فيما يبدوا لي أن الناس يحبون الحصول.. 

حينما أطالع النفس ياصاحبي لستُ أشاهدُ تعقيداً أريد فكّ أسراره.. إنما صار المتضادُ فيها من الشعورِ والفعل أمراً متقبّلاً في أعمق أعماقِ تكوينها..

حينما كنتُ نوراً كنت أكره الظلام

وحينما كنتُ حالمةً كنت أكره التكرار

وحينما كنتُ طيّعةً كنت أحاول الحصول على نتيجة، أما الآن.. الآن بالتحديد فقد صرتُ أشاهد الاختلاف كجزءٍ من تكوين، قد لا أكون وصلت لمرحلة حب الظلام أو التكرار أو الطواع، ولكنني أتفهّم بشكلٍ أعمق لماذا تمرّ.. ولم تعد حين تمرّ تخالفُ تكويني كما السابق فأقفزُ بهلعٍ لأعرّف نفسي من جديدٍ إليّ، إنما صارت جزء مني..

وأعتقد يا عزيزي أننا في هذا العُمر، وهذه المرحلة من الحياة نكون أمام شعور التفهّم وشعور الإدراكِ وشعور القبول مما كناه من شعورِ العناد العشرينيّ الذي يتطلّب نفساً تكون غطرستها أكبر من تقبّل الواقع، ولا أجدُ أحلى في الحياة من أن تضحك عليك، وتضحك عليها في آن حينما يكون عُمق التعقيد بساطته وعمقُ البساطةِ تعقيدها.. 

تحاصرني الآن فكرةٌ واحدة؛ لا سبيل إلا المُضيّ إلى الأمام.. 

المضيُ مع القبول، 

المضيُ حتى ولو كان على مضض، 

المضيُ رغم جميع الأشواك.. 

المضيُ على فرحٍ وعلى حزنٍ وعلى جميع الخواطر..

المضيُّ فحسب.

الحقيقة يا صديقي أنها لم تتغيّر تلك الأشياء الكبيرة في نفسي، 

لا زلت أتسائل كيف يكون شعور القلب حال استلقاء إنسانٍ صغير في غابةٍ معمّرة، وكيف تكون هيبة الشجر، والنجوم لا تزال تغريني في الليل وأقتضبُ حال وجود الغيم الذي يحجبُها عني..

لا زلت في طفولتي أحملُ خططاً وأحلاماً ومواعيد لقاء وحقائق أريد أن أكشفها..

لم تتواضع في عينيّ الدهشةُ يوماً ولكنّ شيئاً ما في داخلي كبُر، وبات المستعصي من أيامي أمراً لا أريد نواله باستماتةٍ كما كنت أظنّ أنني سأفعل..

تعظّمت في دواخلي المتوقّعات، والمنهج السماويّ علمني كيف أنظرُ للأرض بتواضعٍ أكبر والأولويات التي كنت أكره انصياعي لها قبلاً صرت الآن أحبّ تأديتها على شكلها الكامل والامتثال للفكرة التي وإن سَلبت مني شيئاً ما، من مكنوناتنا شيئاً ما، فهي بالمقابل ترفعُ احترامنا لذواتنا أكثر..

تعلّمت أننا ببساطتنا الإنسانيّة نحبّ الأمور الواضحة، 

عطاءٌ بردّ ومنحٌ بأخذ وحجمٌ على قدرِ حجمٍ آخر.. ولكن المؤجَل من الأمور دائماً ما يكون أحلى، والمتأخر بالصبر دائماً ما يكون أجدى.. فكيف نمسك عصاة الصبر من المنتصف..! بمحاولاتي، ذلك دائماً هو ما أعوّل عليه..

أحبّ الحياة.. ولكن الألم جزءٌ منها أيضاً، وأريد قبوله

وأحب التوسّع.. ولكن النضوب شيءٌ من عمليّةِ أفكارٍ كاملة، وأريد التصالح معه

وأحب الوصول.. ولكنّ الضياع جزءٌ حتميّ من الطريق، وأحبّ لو كنت على نفسي ألطف من خلاله

وأحب النتائج جداً، ولكن الأسباب عملٌ لا بُد من القيام به.. وأحب لو شددتُ همّتي بشكلٍ أعلى

وقد تخرسني الأحلام أو تعبّئني الطموحات كلّ يوم، ولكنني من دون التوكّل والثقة والعمل تكون صحرائي صِفراً بينما قد تتحوّل الكثبانُ إلى غضا، وأحب أن أفكر لو كان بوسعي أن أملأ الصحراء بالشجر..

لكلٍ منا يا صديقي مفتاحه، ولكننا بالإنسان الضعيف فينا جميعاً نتّفق أن الحول والقوّة والتوق والهمّة أمور لا تُعطى ولا تكمُن في نفوسنا بلا سبب إنما تكون مدَد، وهذا المدد لا يكون إلا عُمراً.. لا يكون سوى من عُمقٍ إيمانيّ خالص، يوصلنا لأبعد مدى.. 

اللهمّ توفيقاً فتوكّلاً فيقيناً فرسوّاً منك وإليك.. يا الله..

لم يفُت بعد شيء ..

نحنُ جديرون لأننا بعيدون عن هذا العالم، عن تلك العوالم؛ حينما نختار أغطيتنا منها وعنها بعناية، ونلوذ بالصمت..

لم يُخلق عالمنا بعد، ورودنا صغيرةٌ جداً كما تجاربنا وأسفارنا، أما أعشابنا فهي خضراء على قدرِ دهشاتنا، نادرة ولكنها متتالية، نعيشُ كما لو كان اليوم كلّه يومنا الخاص واحتفالنا الخاص وجرعتنا الخالصة من الحياة، بسيطون جداً ونحبّ بساطتنا.. 

مترددون ونجزمُ أن إحجامنا قد كان أرسى لنا من أيّ انطلاقةٍ عابثة.. 

متحفّظون، وأهلنا قد كانوا متحفّظين قبلنا ولم نخرج عن جواربهم رغم أننا كرهناها يوماً، ذلك لإننا حال الكبر علمنا أننا مثلهم؛ أضعف من أن ندوس على العُرف وأخوَف من أن نسمح للبرد أن يتسلل أطرافنا..

أقسامنا من الرزق كبيرة وكثيرة ومغموسة بالرحمة، ذلك أن بلاءاتنا قد كانت في ظاهرها دوماً ملموسة، ولكن يسكن بواطنها الكثير الكثير من الرحمة.. شكّلت لنا في دواخلنا تعاطفاً وفي عزلتنا أصدقاء، أصدقاءُ منّا..

مدفوعين بإلهاماتنا، نحبّ الذي نراهُ صحيحاً، يحرّكنا الشعر والأدب وتُشعلنا أمورٌ بسيطة، أرواحنا تستطيع أن تعلوا بمزاجاتنا عالياً عنان السماء.. 

ندور مع الفَلك، نمتطي الحياة كرحلةٍ لايهيبنا فيها كثرةُ محطاتها ولا استبطاء وصلنا ووصولنا، 

حينما نملّ؛ نغني ونحدوا وحينما نتوقّف ننام وحينما نمضي لا يخدعنا السراب ولكن تشدّنا الحقيقة وتروح إليها مطايانا؛ بنفوسنا قبلنا..

لسنا في ميادين لسباق أيّ أحدٍ حتى نفوسنا.. لنا من الأمرِ أن نعيدَ كلّ العطايا لمصدرها الأوّل، ونشكر.. ولنا أن ننتظرُ بحماسةٍ للذي لم يُخلق بعد، وهناك نُعلّق أثواب حُسن الأمل..

نحن بخير..

في روحي أشعرُ بمجدٍ عتيق أكاد أتذوّق حلاوة وداعته.. المجد الذي نشعرُ بأننا منه، وربما قد ورثناه يعطينا شيئاً من وداعة الروح، ذلك لأن كلّ إنسانٍ فينا يعرف أوّله، وجميعُ أوّلنا صفاء..

أحنّ لأوقاتي البطيئة وأنا أعيشها.. يتملّكني حنين دائمٌ نحو الواقع، وكأنما أعيش في بوتقةٍ حالمةٍ ولم يغمرها موج الشعور/ الحياة بعد.. وكأنني من خلال اليُسر أنتظر الأعسر..

ثمّةَ ما أحاول الوصول إليه، ولطالما أخبرت نفسي بأن التوق لمحةٌ نبيلةٌ للروح، أن نترنّم بأحلامنا رغم الواقع وأن نحمل في داخلنا الأمل رغم ملامح اليأس، الشيء الذي يجعلني عندما أصل لتلمّس النجاح، أستعذبه وأدور حوله، أحاول أن أفهم لماذا استقصيته وماذا بوسعه أن يعطيني أكثر، وكيف.. كيف بوسعي أن أرتاح بوجوده أو عدمه، ما يجعل نفسي بين الواقع والمتوقّع متوسّطة الميلِ راغبةً في الاتزان..

أشعر باستقرار الحالِ والدواخل والنفس.. وكأنما عثرتُ على جوابٍ بعد سؤالٍ طويل.. الجواب الذي لا يدعوك للمزيدِ من الأسئلةِ بقدرما يجرّك للعيش فيه.. تريد أن تحلو بالخلوّ معه، حتى يحصل لك من أمرك اليُسر وأُنس الركود على موجةٍ واحدة.. موجةٍ تحبها..

هنالك ما بوسعي أن أفنَى فيه، 

هنالك ما باستطاعتي أن أعيشه، 

وهنالك ما يدعوني أن أتناغم معه..

ولطالما كان العيش بأصعدة؛ 

الروح فالعقل والقلب والبصيرة..

وحينما تلتقي يوماً موجة الحياة فيك على ثغورها الأربعة، وفي صفحةٍ واحدة؛ تكون حتماً بخير.

نرتّب الأمل على حوافز الطريق، علّ رذاذاً من ذكراه يحيينا..

نسوق مركبنا الحياتيّ محمّلين يوماً بالمشاعر ومدفوعين بها، ويوماً نقودها لأجل أن تنتهي، أن تنتهي فحسب غير راغبين بأيِّ أثرٍ ممتد، ولا أثرٍ يُذكر..

يوماً نخوض بكامل فَألِنا السُبل، ونجد المحطات ونجيدها ونعرف الطريق إلينا جيداً، نحفظهُ كما نحفظ بيوت طفولتنا.. وفي أيامٍ أُخرٍ يكون الطريقُ هباءً وضياعاً والخطوات في ضياعنا ثقيلةً جداً..

الذي تخيّلناه سيكون سرّ خلاصنا وسعادتنا، الشخص الذي انتظرناه طويلاً ليُحيي فينا شيئاً ما؛ أتى.. ولكننا كنا نحنُ من نواسيه ونحييه ونهذّب شعاث أحزانه.. لم يساعدنا بشيء، ظننا أننا من خلال الوجود والبقاء والمشاركة، سنكبُر.. ولكن تجربتنا قبلهُ ومعهُ كانت وصارت واحدة..

قطّعنا من ذواتنا أجزاءً جميلةً من طاقاتنا، أستثمرنا أبهى أشكالنا الممكنة، حتى صارت العزلة لنا تذكيراً بما ذهب لا احتفاءً بما قد بقيَ لنا.. صارت القصص التي يوماً أثارتنا جزءً من الماضي، ولم يعد لنا منها شيء..

أشعلنا الأمسَ سُدىً حتى صار الحاضرُ ذكرى، والغد الذي نتوق للتواجد فيه، يعيش في الأملِ وحسب..

نعيد تكرار اللحظات التي كنا فيها نحن، وحضرنا فيها كما نحن وكمن نكون، ذكريات معدودة، ذكريات محدودة شكّلتنا بادئ ذي بدءٍ حتى صار علينا أن نوارينا، وشيئاً فشيئاً احتجبنا عن الواقع، فحجبنا الشعور وخلفه جميع تلك الكلمات التي كانت حثيثةً لنضج تلقائيتنا، وبلغنا ونضجنا وكبرنا ولكن على حساب موتنا، على حساب موت الكلمةِ فينا كنا نكبر..

عرفنا الشعور واحداً واحداً حينما صادفنا وحدتنا على الطريق، سامرنا الحزن وجاورنا الفرح واسترخينا بعد بكاءٍ طويل وهدهدنا الغضب بالأمل والصمت بالثرثرةِ مع ذواتنا حتى ننام.. فينا الكثير من الصناديق المُغلقةِ عن كلّ أحد، فينا نحن.. نحن الذين نتوق للبقاء، نحن الذين نتوق للأثر، نحن الذين نتوق للوجود؛ ولا يرانا أحد… ولا نرنوا لأن يرانا أحد..

هذه الحياة طريقي الذي قد لا يكون طريقك، بهاء ما أريده أمام ما لن يكون شُعلتك، مسيري الذي قد لايُشابهُ أيّاً من مسيرتك، وغموضي.. غموضي الذي أحجبهُ بالقصص التي قد لا تشبهُ شيئاً من إلمامك أو إلماحك، ولكنني أعرف جيّداً صمتنا، أعرف جيداً حِسنا ورهافتنا، أعرف كثيراً أن الإحساس هو ما نستشعره أكثر مما نبديه، ذلك الذي لا نعطي لذواتنا الحق فيه ولو مع رقيق بصيص الأمل،

سنكون الأثر..